فخر الدين الرازي
40
تفسير الرازي
والكافر ، والكافر في قوله كاذب ، فإنه يقول : الله أكثر من واحد ، والمؤمن في قوله صادق فإنه كان يقول الله واحد ، ولم يكن هناك ذكر من يضمر خلاف ما يظهر ، فكان الحاصل هناك قسمين صادقاً وكاذباً وكان ههنا المنافق صادقاً في قوله فإنه كان يقول الله واحد ، فاعتبر أمر القلب في المنافق فقال : * ( وليعلمن المنافقين ) * واعتبر أمر القلب في المؤمن وهو التصديق فقال : * ( وليعلمن الله الذين آمنوا ) * . قوله تعالى * ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِّن شَىْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) * . لما بين الله تعالى الفرق الثلاثة وأحوالهم ، وذكر أن الكافر يدعو من يقول آمنت إلى الكفر بالفتنة ، وبين أن عذاب الله فوقها ، وكان الكافر يقول للمؤمن تصبر في الذل وعلى الإيذاء لأي شيء ولم لا تدفع عن نفسك الذل والعذاب بموافقتنا ؟ فكان جواب المؤمن أن يقول خوفاً من عذاب الله على خطيئة مذهبكم ، فقالوا لا خطيئة فيه وإن كان فيه خطيئة فعلينا ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : ولنحمل صيغة أمر ، والمأمور غير الآمر ، فكيف يصح أمر النفس من الشخص ؟ فنقول الصيغة أمر والمعنى شرط وجزاء ، أي إن اتبعتمونا حملنا خطاياكم ، قال صاحب " الكشاف " : هو في معنى قول من يريد اجتماع أمرين في الوجود ، فيقول ليكن منك العطاء وليكن مني الدعاء ، فقوله ولنحمل ، أي ليكن منا الحمل وليس هو في الحقيقة أمر طلب وإيجاب . المسألة الثانية : قال : * ( وما هم بحاملين من خطاياهم ) * وقال بعد هذا : * ( وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم ) * ( العنكبوت : 13 ) فهناك نفى الحمل ، وههنا أثبت الحمل ، فكيف الجمع بينهما ، فنقول قول القائل : فلان حمل عن فلان يفيد أن حمل فلان خف ، وإذا لم يخف حمله فلا يكون قد حمل منه شيئاً ، فكذلك ههنا ما هم بحاملين من خطاياهم يعني لا يرفعون عنهم خطيئة وهم يحملون أوزاراً بسبب إضلالهم ويحملون أوزاراً بسبب ضلالتهم ، كما قال النبي عليه السلام : " من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من وزره شيء " . المسألة الثالثة : الصيغة أمر ، والأمر لا يدخله التصديق والتكذيب ، فكيف يفهم قوله : * ( إنهم لكاذبون ) * نقول قد تبين أن معناه شرط وجزاء ، فكأنهم قالوا : إن تتبعونا نحمل خطاياكم وهم كذبوا في هذا فإنهم لا يحملون شيئاً .